ابراهيم بن عمر البقاعي

428

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

التامة وملائكتنا مِنْكُمْ على شدة قربكم منه وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ * أي مع تحديقكم إليه لا يتأثر عن ذلك التحديق غايته ، وهو الإبصار لقربنا منه ، ولا ملائكتنا الموكلين بقبض روحه ، لتعلموا أن الفعل لنا لا لغيرنا ، فلا يتجدد لكم شيء من هذا الوصف لتدركوا به حقيقة ما هو فيه ، فثبت ما أخبرنا به من الاختصاص بباطن العلم والقدرة اللذين عبرنا عنهما بالقرب الذي هو أقوى أسبابهما . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 86 إلى 96 ] فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ( 86 ) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 87 ) فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 88 ) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ( 89 ) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ( 90 ) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ( 91 ) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ( 92 ) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ( 93 ) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ( 94 ) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ( 95 ) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 96 ) ولما كان الكلام لإثبات هذه الأغراض المهمة قبل جواب « لولا » أعادها تأكيدا لها وتبيينا فقال : فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ أيها المكذبون بالبعث وغيره غَيْرَ مَدِينِينَ * أي مقهورين مملوكين مجربين محاسبين بما عملتم في دار البلاء التي أقامكم فيها أحكم الحاكمين بامتناعكم بأنفسكم عن أن يجازيكم أو يمنع غيركم لكم منه ، وأصل تركيب ( دان ) للذل والانقياد - قاله البيضاوي تَرْجِعُونَها أي الروح إلى ما كانت عليه إِنْ كُنْتُمْ أي كونا ثابتا صادِقِينَ * أي في أنكم غير مقهورين على الإحضار على الملك الجبار الذي أقامكم في هذه الدار للابتلاء والاختبار ، وأنه ليس لغيركم أمركم ، وفي تكذيبكم لما يخبر به من الأمور الدنيوية بذل شكركم ، وهذا دليل على أنه لا حياة لمن بلغت روحه الحلقوم أصلا وهذا إلزام لهم بالبعث حاصله أنه سبحانه إن كان لا يعيدكم فليس هو الذي قدر الموت عليكم ، وإن كان لم يقدره فما لكم لا ترفعونه عنه لأنه من الفوادح التي لا يدرك علاجها ، وأنتم تعالجون مقدماته . وإن قلتم : إنه مقدر لا يمكن علاجه ، لزمكم الإقرار بأن البعث مقدر لا يمكن علاجه ، فإن أنكرتم أحدهما فأنكروا الآخر ، وإن أقررتم بأحدهما فأقروا بالآخر ، وإلا فليس إلا العناد ، فإن قلتم : نحن لا نعلم أنه قدره فاعلموا أنه لو لم يكن بتقديره لأمكنت مقاومته وقتا ما لا سيما والنفوس مجبولة على كراهته ، وفي الموتى الحكماء والملوك ، وتقريبه أنكم قد بالغتم في الجحود بآيات اللّه تعالى وأفعاله في كل شيء إن أرسل إليكم رسولا قلتم : ساحر كذاب ، وإن صدقه مرسله بكتاب معجز قلتم : سحر وافتراء وأمر عجاب ، وإن رزقكم من الماء الذي به حياة كل شيء مطرا ينعشكم به قلتم : صدق نوء كذا ، على حال مؤد إلى التعطيل والإهمال والعبث ، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن عند بلوغه الحلقوم